أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )

40

البلدان

بحيث التبس الأمر على ابن النديم فقال إن ابن الفقيه سلخ كتابه ؟ إن قول المقدسي آنفا يساعدنا على احتمال صحة هذا الرأي . أما الطعن الثاني فقد وجهه المقدسي الذي كتب كتابه عام 375 ه - فقال : « ورأيت كتابا صنفه ابن الفقيه الهمداني في خمس مجلدات ، سلك طريقة أخرى ولم يذكر غير المدائن العظمى وأدخل فيه فنونا من العلوم . مرة يزهد في الدنيا ودفعة يرغب فيها ، ووقتا يبكي وساعة يضحك ويلهي . وأما كتاب الجاحظ فصغير . وكتاب ابن الفقيه في معناه غير أنه أكثر حشوا وحكايات واحتجّا بأنّا إنّما أدخلنا خلال كتبنا ما أدخلنا ليتفرج فيها الناظر إذا ملّ . وربما كنت أنظر في كتاب ابن الفقيه فأقع في حكايات وفنون » ( 1 ) . إن الانتقال من موضوع لآخر مخافة أن يملّ القارئ هو أسلوب جاحظي . ولا شك أن ابن الفقيه متأثر بأسلوبه - وينبغي عدم المبالغة في هذا التأثر - . إلَّا أن ابن الفقيه نفسه قد توخّى هذا الهدف منذ البداية أي أنه جعله من أهداف الكتاب ، بل جعل عنوان أحد فصوله : ( باب في تصريف الجد إلى الهزل والهزل إلى الجد ) . وقال في مطلع كتابه : « فكتابي هذا يشتمل على ضروب من أخبار البلدان وعجائب الكور والبنيان . فمن نظر فيه من أهل الأدب والمعرفة فليتأمله بعين الإنصاف ، وليعرنا فيه حسن محضره وجميل رأيه ، فإن الأجدي في المذهب شأوك وقرابة دانية ورحم ماسّة ووصلة واشجة ، ويهب زللي لاعترافي واغفالي لإقراري . فإني إنما ألحقت في هذا الكتاب ما أدركه حفظي وحضره سماعي من الأخبار والأشعار والشواهد والأمثال » ( 2 ) . بل إنه يباهي بهذا التنوع الذي ضمنه كتابه فهو يعقب بعد أن ذكر جملة من

--> ( 1 ) أحسن التقاسيم ( طبعة دي خويه ) ص 5 هامش . وهو منقول عن أحد مسودات الكتاب . وقد قال في ص 4 منه : « وأمّا الجاحظ وابن خرداذبه فإن كتابيهما مختصران جدا لا يحصل منهما كثير فائدة » . ( 2 ) مختصر كتاب البلدان 2 .